عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

154

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

تؤتى أكلها من المكاشفات والمشاهدات كل حين بإذن ربها . ولتلقين أهل الذكر في هذا المعنى شأن عظيم وخاصية عزيزة ، ولهذا شبه النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : النخل بالرجل المسلم في حديث « عبد اللّه بن عمر » أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إن من الشجر شجرة لا تسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي ؟ فوقع الناس في شجر البوادي قال « عبد اللّه » فوقع في نفسي أنها النخلة » « 1 » . ثم قالوا : حدثنا يا رسول اللّه ، قال : « هي النخلة » ، وذلك أن النخلة لا تثمر البتة ما لم تؤبر فكذلك المريد الصادق ما لم يلقن من شيخ كامل لا تثمر شجرة وجوده من الثمار المودعة فيها بجود موجدها واللّه أعلم . وأما آداب الذكر فإذا أراد المريد الطالب أن يشرف بتلقين الذكر يصوم ثلاثة أيام بأمر الشيخ ، ويكون فيها دائم الوضوء دائم الذكر قليل الطعام ، قليل المنام قليل التردد والاختلاط ثم يغتسل غسل الإسلام فإنه يبدل الإسلام التقليدي الميراثي بالإسلام التحقيقي الكسبي الإرادي ، ثم يجلس بين يدي الشيخ على ركبتيه ويحضر قلبه ويراقب سره حتى يقول الشيخ مرة تامة : لا إله إلا اللّه بأداء صوته وهو يأخذ بقلبه متفهما معانيها بحيث ينفي ب « لا إله » الخواطر كلها ، ويثبت بإثبات « إلا اللّه » الحضرة الإلهية بالمطلوبية والمقصودية والمعبودية والمحبوبية . أي لا مطلوب ولا مقصود ولا معبود ولا محبوب إلا اللّه . ثم يقول المريد رافعا صوته مادا نفسه حاضرا قلبه عند النفي والإثبات كما مر ذكره . ثم يقول الشيخ مرة ثالثة . ثم يقول المريد ثم يرفع الشيخ يديه ويدعو ويقول : « اللهم خذ منه وتقبل منه وافتح عليه أبواب كل خير فتحته على أنبيائك وأوليائك وأهل طاعتك أجمعين واهده إلى صراطك المستقيم وكن له عونا ومعينا برحمتك يا أرحم الراحمين . ثم يقوم المريد ولا يكلم أحدا . ويدخل بيت خلوة لا يزاحمه فيها أحد ويقعد مربعا متوجها للقبلة واضعا يديه على فخذيه ويكرر ، « لا إله إلا اللّه » بقلب حاضر ، خافضا صوته ويخرج « لا إله » من صميم قلبه بقوة شديدة مع قطع كل تعلق في قلبه نافيا جميع خواطره ويدخل « إلا اللّه » بالقوة في قلبه مثبتا توجه قلبه إلى اللّه تعالى ليكون جوامع معنى ذكره مثبتا أن ما في الوجود سوى اللّه مداوما على الذكر مواظبا عليه ليلته مراقبا لقلبه فيما يرى ويسمع ولا ينام إلا قليلا بقدر الضرورة لإجمام الحواس . ومن آدابه أن يكون جميع أوقاته مستغرقا بالذكر

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب صفة القيامة . . . ، باب مثل المؤمن مثل النخلة ، حديث رقم ( 63 - 2811 ) ، ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب العلم ، باب قول المحدث : حدثنا ، حديث رقم ( 61 ) . ورواه غيرهما .